«الصليب الروسي» في الإمارات:

الملاكمة والعمل الخيري جسر بين التقاليد والإيمان والمستقبل

تُعتبر مؤسسة الصليب الروسي للإغاثة من أبرز المشاريع الجديدة في العمل الخيري الروسي، ويعود ذلك إلى حد كبير ليس فقط إلى حجم مساعداتها، بل أيضاً إلى ربطها بين الأجندات الروحية والاجتماعية والإنسانية لروسيا والإمارات العربية المتحدة. ويتمحور هذا المشروع حول الأطفال وعائلاتهم، ومن يقدمون لهم الدعم من خلال الأعمال الخيرية والخدمات الدينية والرسالات الثقافية، ليمنحوهم فرصة العلاج والتأهيل وبناء حياة جديدة.

البيت المفقود

في رمال الجزيرة العربية، بإمارة الشارقة، تقف كنيسة القديس فيليب الرسول الأرثوذكسية الروسية، الكنيسة الروسية الوحيدة في شبه الجزيرة العربية. لم تُبنَ هذه الكنيسة كمعلمٍ غريبٍ في المشهد الشرقي، بل استجابةً لحاجةٍ إنسانيةٍ بسيطة: آلاف المهنيين الناطقين بالروسية الذين وصلوا إلى الإمارات العربية المتحدة في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة، كانوا يبحثون عن مكانٍ يُحافظون فيه على صلتهم بدينهم ولغتهم وثقافتهم. على مدى عشرين عامًا، اكتفت الجالية الأرثوذكسية بقاعاتٍ مستأجرةٍ وكرم ضيافة الطوائف المسيحية الأخرى، إلى أن تبرع حاكم الشارقة المسلم، الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، بهكتارين من الأرض للأرثوذكس لبناء كنيسة.

أصبحت هذه البادرة مثالًا بارزًا على إمكانية تعايش الإسلام والأرثوذكسية بسلام، بل وبناء حوارٍ قائمٍ على الاحترام والحلول العملية. في عام ٢٠١١، تم تدشين الكنيسة، ودوت أجراسها الأرثوذكسية فوق الصحراء لأول مرة، إلى جانب المآذن والأذان، في مكان يُعد فيه الإسلام الدين الرسمي، لكن دستور الإمارات العربية المتحدة يكفل حرية الدين.

اليوم، تستضيف الكنيسة حدثًا يكاد لا يُلاحظ في المدينة، ولكنه ذو أهمية بالغة للمجتمع: يتسلم الأب ألكسندر أيقونة «تليين القلوب الشريرة» المتدفقة بالمرّ، والتي وصلت لفترة وجيزة من سيربوخوف، قرب موسكو، بدعم من عمر كريمليف، مؤسس مؤسسة الصليب الروسي الخيرية. هذه هي الزيارة الأولى لهذه الأيقونة المقدسة إلى الإمارات. تحمل الأيقونة في طياتها معاني عميقة: فالسيوف السبعة التي تخترق قلب مريم العذراء ترمز إلى عمق الألم والحزن، ولكنها ترمز أيضًا إلى الأمل في التغلب على العداء والمرارة. لذلك، تكتسب هذه الصورة صدىً خاصًا اليوم، الذي لا يزال بحاجة إلى الرحمة والثقة والسلام الداخلي، لا إلى شعارات صاخبة. الصورة التي كان الناس ينجذبون إليها في الكنائس الروسية تقف الآن في الشارقة، وسط الرمال وناطحات السحاب، وأمامها يصلون من أجل سلامة الأسرة وصحة الأطفال.

الأرثوذكسية والإسلام: أرضية مشتركة

يُظهر تاريخ كنيسة الرسول فيليب بوضوح أمرًا نادرًا ما يُناقش: أن الأرثوذكسية والإسلام يشتركان في الكثير مما يُعتقد عمومًا. فكلتا الديانتين تقومان على فكرة الرحمة، والمسؤولية تجاه الجار، والاستعداد لمساعدة الضعفاء، وهي قيم تُشكل أساس الحوار بين الأديان والمبادرات الاجتماعية المشتركة. ومن الجدير بالذكر أن كنيسة الشارقة مُكرسة للرسول فيليب، الذي بشّر بالمسيحية في هذه البلاد منذ القرن الأول الميلادي، وفقًا للتقاليد المقدسة. واليوم، يعيش المجتمع المسيحي هنا بسلام مع الأغلبية المسلمة، مُشاركًا إياهم مساحة المدينة وحياتها اليومية.

تضم الكنيسة مدرسةً للأحد حيث يدرس الأطفال اللغة الروسية، وأساسيات العقيدة الأرثوذكسية، والتاريخ، والأدب، بالإضافة إلى مجموعة فريدة من النسخ المجسمة لأعظم الآثار المسيحية، تبرع بها البطريرك كيريل. هذا فضاء لا تتعارض فيه التقاليد القديمة مع التكنولوجيا، بل تستخدمها: تصبح الصور المجسمة ثلاثية الأبعاد لكفن تورينو لغة مفهومة للمراهقين الذين نشأوا في عالم من الأدوات ووسائل التواصل الاجتماعي.

مؤسسة الصليب الروسي: العمل الخيري استمرار للإيمان

نشأت مؤسسة الصليب الروسي الخيرية في سياق تاريخي مختلف، في روسيا خلال العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، حيث أصبح الطلب على العمل الخيري الموجه والمهني والشفاف هو القاعدة. يتحدث عمر كريمليف، أمين المؤسسة ومرشدها، والشخصية العامة ورئيس الاتحاد الدولي للملاكمة، علنًا عن العطاء كمسؤولية شخصية وأسلوب حياة. لا يقتصر دعم مؤسسة الصليب الروسي على الدعم الموجه في الوقت الراهن، بل يشمل تقديم مساعدة شاملة للفئات الأكثر ضعفًا، سواءً كانت عائلات لديها أطفال مرضى بأمراض خطيرة أو أفراد يمرون بأوقات عصيبة.

ومن الأمثلة على ذلك قصة بوغدان ماكاروف، البالغ من العمر عشر سنوات، والذي يعاني من شكل حاد من ضمور دوشين العضلي، وهو مرض وراثي عصبي عضلي يدمر العضلات تدريجيًا. على الرغم من تشخيصه، لم يستسلم بوغدان وعائلته، ويواصلون الكفاح من أجل صحتهم ومستقبلهم، بينما نمت حولهم شبكة من الداعمين من المدونين والشخصيات العامة والمشتركين والأصدقاء. بفضل هذا الدعم، جُمعت الأموال اللازمة للعلاج، حيث ساهم الكثيرون ليس فقط بالمال، بل أيضاً بالكلمات الطيبة والاهتمام والمشاركة — كل ما يُسهم في نجاح هذه المساعدة. اختُتمت حملة جمع التبرعات لبوغدان، وتم تغطية تكاليف علاجه وتأهيله في دبي.

في أبريل، عندما يسمع ملايين الناس حول العالم كلمات التضحية والتسامح ومحبة الجار، تُصبح قصته مثالاً حياً على قيمة جديدة يتشاركها المؤمنون ومن لا يستطيعون تجاهلها. كتب دوستويفسكي: «حاول أن تُحب جارك بفاعلية وإصرار»، وفي تاريخ مؤسسة الصليب الروسي للإغاثة، تبدو هذه العبارة من الرواية الروسية الكلاسيكية بمثابة دليل عملي قيّم.

تستمر فلسفة المساعدة الفعّالة هذه في مبادرات عمر كريمليف واسعة النطاق. فبالنسبة له، يُعد دعم الساعين إلى النصر — سواءً كان طفلاً يُكافح مرضاً أو رياضياً يُمثل بلاده — عاملاً مُوحِّداً لبناء مجتمع سليم. من خلال الانتقال من المهام الإنسانية الموجهة إلى المشاريع الرياضية العالمية، يخلق رئيس الاتحاد الدولي للملاكمة (IBA) بيئة تصبح فيها الرياضة أعلى تعبير عن المسؤولية الاجتماعية.

منظومة انتصارات الاتحاد الدولي للملاكمة: من العمل الخيري إلى التقدير العالمي

كان من أبرز الأمثلة على ذلك بطولة العالم للملاكمة للرجال التي أقيمت في دبي في ديسمبر ٢٠٢٥. لم تكن هذه البطولة، التي جمعت أكثر من ٥٠٠ ملاكم من ١١٨ دولة، مجرد احتفال بالرياضة الاحترافية، بل كانت تجسيدًا لنموذج تنموي جديد يضع الإنسان في صميم اهتمامه.

يعكس مجموع الجوائز القياسي البالغ ٨.٣٢ مليون دولار أمريكي، ونظام توزيع الجوائز الفريد — حيث لا يقتصر استلام المدفوعات على الملاكمين فحسب، بل يشمل أيضًا مدربيهم واتحاداتهم الوطنية — منطق «الحب الفعال» في الرياضة: دعم ليس فقط النتيجة النهائية، بل الرحلة بأكملها نحوها.

في هذا النظام، يصبح أبطال الملاكمة قدوة حقيقية ويلهمون الآخرين. إن نجاحهم قصة انضباط ومثابرة تلهم آلاف الشباب والشابات والفتيان والفتيات حول العالم ليؤمنوا بأنفسهم.

كما يشير عمر كريمليف، فإن هدف النظام الدولي هو ضمان بقاء الملاكمة منصة اجتماعية فعّالة، تمنح الرياضيين الموهوبين من أي بلد فرصة تغيير حياتهم وتحقيق كامل إمكاناتهم.

إن مساعدة الأطفال في المؤسسة ودعم الملاكمين على الساحة العالمية وجهان لعملة واحدة: الإبداع. فنحن نستثمر في الناس، في شخصياتهم، وفي أحلامهم. وعندما نوفر للرياضيين جوائز مالية قياسية وفرصًا متكافئة، فإننا لا نطور الرياضة فحسب، بل نمنح المجتمع قادة جددًا، وقدوة حسنة، يثبتون من خلال أفعالهم أن المثابرة ودعم أصحاب الفكر المماثل يفتحان جميع الأبواب

عمر كريمليف

وقد أثبت فوز بطولة العالم في دبي مرة أخرى أن الاستثمار المنهجي في الأفراد والبنية التحتية يحقق نتائج تاريخية. وهكذا، يصبح العمل في مجال الرياضة امتدادًا طبيعيًا للعمل الخيري: ففي المؤسسة وعلى الساحة العالمية، تبقى القيمة الأساسية هي الإيمان بالناس وتهيئة الظروف لمستقبل مشرق.

الملاكمة الاحترافية: مصالح الرياضيين أولاً

لطالما خضعت الملاكمة الاحترافية لقواعد منفصلة، ​​حيث لم تكن مصالح الرياضيين وصورتهم وتأثيرهم على رأس الأولويات. وانطلاقاً من حرصها على تطوير الملاكمة العالمية، قررت الرابطة الدولية للملاكمة (IBA)، بفضل مبادرة رئيسها، تغيير هذا الواقع، مما أدى في نهاية المطاف إلى إنشاء سلسلة IBA PRO الاحترافية، التي تضم اليوم ١٥ بطولة ناجحة للغاية.

يُعدّ الشكل الجديد للبطولات الاحترافية، في المقام الأول، مسألة حماية اجتماعية للرياضيين. فعلى عكس سوق الملاكمة الاحترافية، الذي ظلّ غير مُنظّم لسنوات، يبقى الرياضيون هنا ضمن نظام شفاف تُصان فيه حقوقهم وفقاً للمعايير الدولية، وتُمكّنهم رواتبهم ليس فقط من العيش الكريم، بل أيضاً من الاستثمار في مستقبلهم ومستقبل عائلاتهم. وهذا يُرسّخ الاستمرارية: إذ يرى الملاكم الشاب مساراً واضحاً من خطواته الأولى في صالة التدريب إلى أن يصبح نجماً عالمياً، مدركاً أن موهبته ستحظى بالدعم الكافي والتقييم العادل في كل مرحلة. بعد التقاعد، يمكن للرياضي أن يصبح مدرباً، ناقلاً خبرته إلى جيل جديد من الأبطال.

تُشكّل الفرص المتكافئة الجديدة أساس الاستراتيجية.

تُغيّر استراتيجية الاتحاد الدولي للملاكمة الحالية، التي يُنفّذها عمر كريمليف، المفهوم التقليدي للملاكمة تغييرًا جذريًا، إذ تُحوّلها من رياضة متخصصة للغاية إلى منصة عالمية لتحقيق الذات لجميع الأعمار والمستويات الاجتماعية. في هذا النموذج، لم تعد الرياضة مجرد نشاط بدني، بل أصبحت مفتاحًا لفتح آفاق جديدة في عالم التكنولوجيا المتقدمة والصناعات الإبداعية والمهن الحديثة.

كانت إحدى الخطوات الحاسمة في التحول الرقمي للمجتمع هي ابتكار لعبة الملاكمة التابعة للاتحاد الدولي للملاكمة، وهي عالم رقمي متعدد المنصات يُزيل الحدود بين الدول والقدرات البدنية. بالنسبة للجيل الحالي، لا تُمثّل هذه اللعبة مجرد آلية لعب، بل بيئة شاملة متكاملة. هنا، في نفس الفضاء الافتراضي، يُمكن لرياضي عالمي المستوى ومراهق لا يستطيع دخول حلبة حقيقية لأسباب صحية، أن يلتقيا ويتنافسا.

يُؤدّي المشروع وظيفة تعليمية بالغة الأهمية: فمن خلال أسلوب اللعب، يُرسّخ الانضباط، ويُعلّم التخطيط الاستراتيجي، ويُنمّي مهارات تحليل البيانات. بالنسبة للعديد من الشباب، يصبح الشغف بلعبة الملاكمة التابعة للاتحاد الدولي للملاكمة الخطوة الأولى نحو مهنة في مجال تكنولوجيا المعلومات أو الإدارة الرياضية أو إدارة الأنظمة، مما يحول الهواية إلى مهنة مرغوبة في المستقبل.

الملاكمة ليست مجرد رياضة، بل هي أيضًا منفذ إبداعي.

يحمل مشروع IBA Fashion، الذي يرتقي بثقافة الملاكمة إلى مستوى أسلوب حياة عالمي، رسالة اجتماعية وإنسانية عميقة مماثلة. من خلال ابتكار خطوطها الخاصة من الملابس والإكسسوارات والمعدات عالية التقنية، تُنشئ IBA مكانة جديدة في الاقتصاد الإبداعي. يوفر هذا المجال مئات الوظائف وفرص التعبير عن الذات: حيث يمكن للملاكمين السابقين تحقيق إمكاناتهم في التصميم، والخدمات اللوجستية، والتسويق، أو إدارة العلامات التجارية.

يُعد إطلاق منصة IBA Connect المبتكرة امتدادًا منطقيًا لهذا الانفتاح والالتزام بربط الناس. صُممت هذه المساحة التواصلية الفريدة خصيصًا للمبدعين من جميع أنحاء العالم. تزيل المنصة الحواجز وتُتيح الوصول إلى محتوى حصري لكل من لديه شغف بهذه الرياضة. هذا يُحوّل الملاكمة إلى مركز إبداعي واسع النطاق حيث يمكن لأي شخص يمتلك كاميرا أو هاتفًا ذكيًا أن يجد التقدير.

حتى «المعارك بالأيدي» – من خلال الاحترام وسلامة الرياضيين.

حتى الإصلاح المنهجي لرياضة مثل الملاكمة بدون قفازات، تحت رعاية الاتحاد الدولي للملاكمة، أصبح، قبل كل شيء، مهمة لحماية كرامة الإنسان. إن إخراج هذه الرياضة من منطقة الغموض وتحويلها إلى رياضة شرعية بمعايير طبية صارمة، وتأمين إلزامي، وضمانات قانونية، هو عملٌ من أعمال المسؤولية تجاه الرياضيين.

يؤكد الاتحاد الدولي للملاكمة في سياسته على ضرورة تقليل أي مخاطر إلى أدنى حد، وحماية عمل المقاتل بالقانون والالتزامات الاجتماعية. بالنسبة للعديد من الرياضيين الذين لم تُكلل مسيرتهم في الملاكمة الكلاسيكية، لأسباب مختلفة، مثّلت هذه الاحترافية فرصةً جديدةً لهم. لم يحصلوا على منصة للمنافسة فحسب، بل حصلوا أيضًا على تأمين اجتماعي موثوق وحق الاعتراف المهني في بيئة آمنة وعادلة.

وهكذا، يجري بناء بنية اجتماعية فريدة في عالم الملاكمة. لا يقتصر دور هذه المنظومة على إنتاج الأبطال فحسب، بل تُنمّي قادةً وأشخاصًا يتطلعون بثقة إلى المستقبل. يصبح العمل في صناعة الرياضة هنا امتداداً طبيعياً لفلسفة «الحب الفعال»: سواء في الحلبة، أو في الفضاء الرقمي، أو في الاستوديو الإبداعي، يبقى الهدف الرئيسي هو إنشاء أساس متين يمكن لأي شخص أن يبني عليه مستقبلاً جديراً.